
في ختام تصوير عذاب أهل الشمال في سورة الواقعة، تأتي الآية الكريمة: “ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ”، وهي آيات تحمل مشهدًا بالغ
الرهبة لعذاب الكافرين في الآخرة، حيث يبدأ العذاب بطعام مرّ مؤذٍ، يُتبع بشراب يغلي في البطون، ثم يُختتم بتشبيه بالغ في القسوة والعمق البلاغي. لكن ما هو “شُرْبُ الْهِيمِ”؟ وما دلالاته اللغوية والبيانية؟ ولماذا اختُتمت به هذه الآيات؟
-
الذهب اليومنوفمبر 19, 2025
-
معلومة مهمة للامهات والأباء .نوفمبر 4, 2025
-
فوائد أوراق الزيتونأكتوبر 26, 2025
كلمة “الْهِيمِ” في اللغة العربية تشير إلى الجِمال المصابة بداء “الهيام”، وهو مرض يجعلها تظل عطشى بصورة دائمة، فتشرب الماء بنهم شديد ولا تروى مهما شربت، وتظل تلتهم الماء بلا وعي حتى تموت. وهذا المرض يُعد من أشد ما يصيب الإبل، ويُضرب به المثل في العطش الدائم الذي لا يُسكَن. حين يُقال في القرآن: “فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ”، فالمعنى أن هؤلاء الضالين سيشربون في النار شربًا شديدًا مُلحًا، كحال الجِمال المصابة بالهيام، ومع ذلك لن يرتووا، بل سيزيدهم العذاب عطشًا وألمًا.
أما من الناحية البلاغية، فإن التعبير يحمل تناسقًا مرعبًا بين الطعام والشراب، فبعد أكلهم من الزقوم، وهو شجر خبيث الطعم والرائحة، يُتبع ذلك بشرب ماء يغلي من شدة الحرارة، ثم يتبعه شرب لا يهدأ ولا يتوقف. وتكرار لفظ “فَشَارِبُونَ” مرتين يوحي بالتدرج في الشرب: أولًا شرب الحميم، ثم شرب شديد النهم، لا عن رغبة بل عن اضطرار وألم، كمن يحاول تخفيف العذاب فيزيده عذابًا.
وفي الصفحة الثانية نُكمِل تحليل هذا المشهد القرآني القوي، ونفهم لماذا اختار القرآن الجِمال “الهِيم” كمثال، وما الرسالة العقائدية العميقة التي تُوجّه بها هذه الآيات للناس
اختيار الجِمال الهِيم في هذا التشبيه ليس عبثًا، بل هو اختيار قرآني بالغ الدقة. فالعرب في زمن التنزيل كانوا يعرفون هذا المرض جيدًا، وكانوا يرون الجمل المصاب بالهيام يشرب الماء بشراهة عجيبة دون أن يرتوي، فيموت عطشًا وهو غارق في الماء. هذا التناقض بين وفرة الماء واستمرار العطش يُجسّد حال أهل النار الذين يُقدَّم لهم الحميم، فلا يروون، بل يحترقون من داخله. فالماء الذي هو مصدر حياة في الدنيا، يتحول في الآخرة إلى أداة عذاب شديدة.
وهنا تظهر عظمة التعبير القرآني، فالله لم يقل “فشاربون كثيرًا” أو “فشاربون بشدة”، بل اختار “شُرْبَ الْهِيمِ”، وهو تصوير حسي ونفسي وفكري في آنٍ واحد. إنه شرب بلا فائدة، شرب يزيد الألم، شرب لا عن رغبة بل عن اضطرار، والأشد أنه لا يُخفف العذاب بل يُضاعفه، تمامًا كما تفعل الإبل المصابة بالهيام.
ومن الناحية العقدية، فهذه الآيات لا تُقدَّم كتصوير للعذاب فقط، بل تحمل رسالة واضحة: أن من أعرض عن ذكر الله، وكذّب بالآخرة، واتبع الهوى، سينقلب عليه كل ما كان يتلذذ به في الدنيا، حتى الماء، سيصبح نارًا، وحتى الشرب، سيكون ألمًا. فالعقوبة ليست فقط جسدية، بل نفسية وروحية، إذ يُذلّ الإنسان في أعز ما يحتاج إليه وهو الماء.
الإجابة: المقصود بـ”فشاربون شرب الهيم” أن أهل النار يشربون ماء الحميم كما تشرب الجِمال المصابة بالهيام: بشراهة مؤلمة ودون ارتواء، فيزيدهم شربهم عذابًا فوق العذاب







